الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

72

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المستكبرين من أن يكونوا صدّوا المستضعفين عن الهدى ، فصار لقول المستضعفين موقعان يقتضي أحد الموقعين عطفه بالواو ، ويقتضي الموقع الآخر قرنه بحرف بَلْ وبزيادة مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ . وأصل الكلام : يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين إذ تأمروننا بالليل والنهار أن نكفر باللّه إلخ . فلما قاطعه المستكبرون بكلامهم أقحم في كلام المستضعفين حرف بَلْ إبطالا لقول المستكبرين بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ [ سبأ : 32 ] . وبذلك أفاد تكملة الكلام السابق والجواب عن تبرؤ المستكبرين ، ولو لم يعطف بالواو لما أفاد إلّا أنه جواب عن كلام المستكبرين فقط ، وهذا من أبدع الإيجاز . و بَلْ للإضراب الإبطالي أيضا إبطالا لمقتضى القصر في قولهم : أَ نَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى [ سبأ : 32 ] فإنه واقع في حيّز نفي لأن الاستفهام الإنكاري له معنى النفي . و مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ من الإضافة على معنى ( في ) . وهنالك مضاف إليه ومجرور محذوفان دل عليهما السياق ، أي مكركم بنا . وارتفع مَكْرُ على الابتداء . والخبر محذوف دل عليه مقابلة هذا الكلام بكلام المستكبرين إذ هو جواب عنه . فالتقدير : بل مكركم صدّنا ، فيفيد القصر ، أي ما صدّنا إلّا مكركم ، وهو نقض تام لقولهم : أَ نَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى [ سبأ : 32 ] وقولهم : بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ [ سبأ : 32 ] . والمكر : الاحتيال بإظهار الماكر فعل ما ليس بفاعله ليغرّ المحتال عليه ، وتقدم في قوله تعالى : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ في آل عمران [ 54 ] . وإطلاق المكر على تسويلهم لهم البقاء على الشرك ، باعتبار أنهم يموهون عليهم ويوهمونهم أشياء كقولهم : إنه دين آبائكم وكيف تأمنون غضب الآلهة عليكم إذا تركتم دينكم ونحو ذلك . والاحتيال لا يقتضي أن المحتال غير مستحسن الفعل الذي يحتال لتحصيله . والمعنى : ملازمتهم المكر ليلا ونهارا ، وهو كناية عن دوام الإلحاح عليهم في التمسك بالشرك . و إِذْ تَأْمُرُونَنا ظرف لما في مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ من معنى ( صدّنا ) أي حين تأمروننا أن نكفر باللّه . والأنداد : جمع ندّ ، وهو المماثل ، أي نجعل للّه أمثالا في الإلهية . وهذا تطاول من المستضعفين على مستكبريهم لما رأوا قلة غنائهم عنهم واحتقروهم